تأليف :
إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن يوسف الجويني ( 419 - 478 هـ )
تحقيق و فهرسة :
الأستاذ الدكتور عبد العظيم محمود الديب
نهاية المطلب في دراية المذهب
لما استوى علم الفقه على سوقه ، واستقامت مناهج الأئمة ، ودوِّنت المذاهب ، وصار لكلِّ إمامٍ تلامذةٌ ورواةٌ يحملون عنه علمه .. انتشرت هذه النصوص الفقهيَّة .
وكان « مختصر المزني » من أهمِّها وأكثرها قَبولاً لدى العلماء ، فقام أئمتنا جزاهم الله خيراً بتدوين شروحهم وتعليقاتهم وفوائدهم على هذا الكتاب .
وهذا ما فعله إمام الحرمين أبو المعالي الجويني رحمه الله ، فوضع كتابه « نهاية المطلب » هذا ؛ ليكون كتاباً متميزاً لرجل مجتهد إمام .
وإنك لتعجب كيف بقي هذا الكنز دفيناً حتى الآن رغم حاجة الأمة إليه ، ومكانته المرموقة بين كتب المذهب ، والتي تنتسب إليه نسبةَ الكواكب إلى القمر المنير .
ولكن الله جل جلاله ادَّخر هذا الفضل وأخَّره ثم أجراه على يد محقِّقنا الفذِّ ودارنا المتميزة ولله الحمد ؛ وذلك الفضلُ من الله ؛ ﴿ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
من غير سبق تصميمٍ من محقِّقنا ـ كما سترى في مقدمة التحقيق ـ أراد الله عزَّ وجلَّ لهذا المحقق الكبير أن يتَّجه نحو خدمة إمام الحرمين الجويني وكتبه التي كانت مطمورةً ؛ كالكنوز العتيقة التي تنتظر من يستخرجها ويمسح الغبار عنها حتى تصير في أبهى محاسنها ، ويتحف بها أولي المعرفة ، لتُسَرَّ به مكتبة الإمام الشافعي .
كتابٌ نفيسٌ نادرٌ غالٍ ، ومؤلفٌ إمامٌ مجتهدٌ مبدعٌ ، ومحققٌ خبيرٌ عريقٌ غوَّاصٌ ، ومنهج تحقيق غايةٌ في الدقة والكمال .
أما الكتاب : فذخيرةٌ ثمينةٌ من ذخائر تراثنا الفقهي ، وهو من أمَّات كتب الشافعيَّة الكبار ؛ يحوي تقرير القواعد ، وتحرير الضوابط والمقاصد ، وتبيين مآخذ الفروع ، وهو خلاصة مذهب الشافعية ، وخلاصة حياة إمام الحرمين وفكره ؛ كما جَلَّى ذلك عن الكتاب بقوله : ( نتيجةُ عمري ، وثمرةُ فكري في دهري ) .
قال عنه المؤرخ الكبير الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في « تبيين كذب المفتري » : ( ما صُنِّف في الإسلام مثله ) .
واعتبره الإمام النووي رحمه الله تعالى في « المجموع » أحد كتب أربعة تعدُّ أساساً في المذهب .
وقال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى في « التحفة » : ( إنه منذ صنف الإمام كتابه « النهاية » لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام ) ؛ وذلك لأن الكتب المعتمدة التي ألفت بعد إنما استمدت منه واعتمدت عليه أصلاً .
وهذا الكتاب وإن كان على « مختصر المزني » .. إلا أنه لم ينهج فيه منهج الشرح المكرر ، وإنما كانت غايته تهذيب المذهب وتقعيده ، وتأصيل الأبواب والفصول ووضع الضوابط ؛ كما قال : ( فإن غرضي الأظهر في وضع هذا الكتاب : التنبيه على قواعد الأحكام ومثاراتها ؛ فإن صور الأحكام والمسائل فيها غير معدومة في المصنفات ، فهذا أصل الباب ومنه تتشعب المسائل ) .
وأما المؤلف : فهو إمام عصره ، ونادرة دهره ؛ كما وصفه الحافظ الجرجاني رحمه الله .
وقال عنه العلامة التاج السبكي رحمه الله : ( إمام الأئمة على الإطلاق ) .
وإذا أطلق لفظ الإمام في فقه الشافعية .. فلا إمام غيره ، ولا ينصرف بهذا الإطلاق إلى سواه ؛ فهو المجتهد ابن المجتهد كما قال الحافظ القزويني رحمه الله .
وأما المحقق : فهو الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب ؛ عاشق تراث إمام الحرمين الجويني رحمه الله ؛ كما تلمس ذلك وتشعر به عندما يتحدث عنه ، والعاشق تهون عليه الصعاب ، ويجد البعيد قريباً والحزْن سهلاً في سبيل معشوقه .
لم يترك شيئاً يتحدث عن الإمام واستطاع تناوله .. إلا واقتناه ثم تعايش معه .
أمضى في تحقيق « البرهان في أصول الفقه » سبع سنوات فنال الماجستير ، ثم ألف « فقه إمام الحرمين ؛ خصائصه ـ أثره ـ منزلته » فكانت أطروحة الدكتوراة ، ثم هذا الكنز النفيس الذي أخذ منه عمراً كاملاً أكثر من ( 25 سنة ) .
ومما تجدر الإشارة إليه : أنَّ إمام الحرمين مستقل في تفكيره وتقريره ؛ فيحتاج من محققه إلى فهمٍ دقيقٍ ، وتأملٍ عميقٍ ، وصبرٍ جميلٍ ، ومراجعةٍ طويلةٍ حتى يفهم المقصد .
وإليكم معشر القراء : هذه الدرة الثمينة ، والسفر الجامع الذي يعد أصلاً من أصول الشافعية ، وهو يبرز لأول مرة إلى عالم الطباعة الرحيب بعد نحو ألف سنة على تأليفه ، وتكتحل أعين الفقهاء بمباحثه ، بعد طول انتظار .
فطوبى لمن حقق ، وطوبى لمن نشر ودقق ، وهنيئاً للجميع بما حازوه من شرف الخدمة للفقه الشرعيّ .
نفعنا الله وإياكم وكافة المسلمين ، ووفقنا لخدمة دينه ، إنه سميع قريب
|