أدخل بريدك الالكتروني هنا

pandora charms uk pandora style dangle charms pandora dangle charms

عمر بن سالم باجخيف بسم الله الرحمن الرحيم  

خواطر ناشر (1)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن تراثنا الإسلامي ذو صبغة دينية؛ تعكس صورتها على العالم الإسلامي أولاً، والإنساني ثانياً؛ ولذلك كان الاضطلاع بتحقيقه ونشره منحىً من مناحي العبادة، وجولة من الجولات التي تهزم الجهل وتؤبِّرُ الفكر الإنساني.

فالمشتغلون في هذا الميدان يشعرون بسعادة غامرة، يَغبِطُهم عليها الآخرونَ، وهذا الشعور هو الذي دفعهم إلى التضحية بأنفس الأوقات، وتطويع الملَكَات والمواهب في سبيل الوصول إلى هذا الهدف النبيل.

ولنا في هذا المقام أن نتمثَّلَ بقول المتنبي:

وإذا كانت النفوس كباراً

تعبت في مرادها الأجسام

والحرص على سلامة التراث الإسلامي من التصحيف والتحريف والتغيير والتبديل.. أصله ثابت في الكتاب العزيز؛ حين أمرنا بالتثبت والتأكد من الخبر المنقول، أو النص المقبول.

ولذا اهتم علماء الإسلام منذ القِدَم بأمر التثبُّت والإتقان فيما ينقلون، وهل علوم الحديث والأسانيد وعلوم الجرح والتعديل وذلك الكم الهائل من قواعد نقل العلم.. إلا من أجل إيصال النصوص إلينا مبرَّأةً من وصمة التحريف والتبديل؟!

* * *

ولا مراء أن الثقافة الإسلامية من عهد انبثاقها كانت قائمة على هذا الأساس المتين، وعلى هذا المنهج الوثيق سار العلماء في كل عصر ومصر، وهذه إحدى خصائص الأمة الإسلامية، وميزة التراث الإسلامي، لا يزاحمه في هذا شرق ولا غرب.

وفي عصرنا الحاضر المقارن للثورة الصناعية والحضارية تهيأ لنا ما لم يتهيأ لمن سبقنا من ناحية فنون الطباعة ووسائل النشر، وتنوع الآلات التي ترسم مؤلفات الأقدمين والمعاصرين، إضافة إلى فتح خزائن المخطوطات، والحصول على كنوز التراث من خلال منصات التواصل الإلكترونية الحديثة، وإتاحتها لطالب المعرفة؛ فكانت هذه الثورة في عالم النشر فريدة غير مسبوقة، فامتلأت المكتبات والخزائن بمئات الآلاف من الأسفار والكتب في شتى الميادين، وتسابق الناشرون والمحققون معاً إلى إبراز التراث الإسلامي في أبهى حلله، وأجمل حليته، وأحسن زينته.

بيد أن ثلة من المهتمين بنشر التراث وتحقيق سبق مطبعي ومادي تعجلوا - وقد خُلِق الإنسان من عجل - فنشروا، فحصل بتر وتصحيف وتحريف وأخطاء مطبعية، فقلَّل هذا السيل الجارف من التصحيف والتغيير من مكانة الناشرين والمحققين معاً، وبعضهم كان حريصاً على إخراجه على النحو المرضيِّ، إلا أنه وكَلَ التحقيق إلى من تتقاصر كفاءتهم العلمية عن تحقيق ذلك السفر فاعتراه الخلل، وارتدَّ على النص فعكَّر صفو وضاءته؛ بما ألحق به من أخطاء، والجناية في المقام الأول معصوبة بعمامة الناشر؛ لأنه المدير المباشر.

* * *

وهاهنا خاطرة مهمة تتعلق بتحقيق التراث، حينما أُذيعَ بأن أول من قام به هم المستشرقون، وهذا ادعاء مخالف للواقع.

فمن خلال استعراضنا لتراثنا المخطوط.. نجد أن المخطوطات - وبعضها عمره قارب الألف عام - قد حوت قواعد التحقيق بأجلى صورها، مع الدقة والتثبت إلى الغاية والنهاية.

فلذا كثيراً ما نجد على هوامش الكتب الحواشيَ الشارحةَ والمبينةَ للنص، وهذا نوع من التحقيق المعرفي والتدقيق العلمي وإن كان في صوره الأولية.

وكذلك نجد في الهوامش مقابلة النص وتبيان المغايرات، وهذا يدل على أن الكتاب قد قوبل على نسخة أخرى، وكما أننا نجد التصريح بأنَّ هذا الكتاب قوبل على نسخة المؤلف أو نسخة قريبة من عهد المؤلف.

وكذلك السماعات والإجازات على المخطوطات كلها تشير من قريب أو بعيد إلى التحقيق؛ وهذا ما لم تهمله دارنا (دار المنهاج)، وهذه العجالة مجرد تلميح إلى هذه المغالطة التي انطلت على الكثير من المثقفين.

وكثيراً ما توجد على نفائس المخطوطات التي عني العلماء بها الملاحظات القيمة والتنبيهات النفيسة المكملة، والإضافات التي لا بد منها، وكل هذا يعدُّ أعلى أنواع التحقيق.

ولذا فقد درجت دار المنهاج على إثبات هذه الأمور في كتبها التي تنشرها محققة؛ إتماماً للفائدة وتبياناً للمعارف، وإيضاحاً لجهود أهل العلم السابقين.

* * *

ومع توافر المطابع وكثرة الوسائل المتاحة إلا أن الخلل كثيراً ما يتراءى في نتائج الاستعجال أو الإهمال، بل إن بعض المطابع القديمة التي عرفت بالعناية بالتراث؛ كمطابع بولاق والعامرة والحلبي وأترابها في مصر والهند وغيرها.. صارت طبعاتها في هذه الأيام أغلى وأنفس النسخ، ويتسابق أولو المعرفة إلى اقتناء مطبوعاتها على قِدَمها؛ بسبب صحة النص وندرة الأخطاء فيها، رغم شح الوسائل الفنية؛ ذلك لأن الهدف الأسمى صحة النقل، والعناية بالأصل.

ولا أنكر أن في بلادنا الحبيبة ثلة من الناشرين المرموقين وضعوا الهناء على النقب، وأعطوا القوس باريها؛ فوكلوا خدمة التراث إلى أولي الاختصاص، فتربعوا على منصة الإتقان والصيانة عما وقع فيه بعضهم، حتى أضحى الكتاب السعودي غرة في جبين العلم، وشهد لهم بهذه الدقة القاصي والداني والمحب والشاني.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الفقير إلى عفو الله وكرمه

أبو سعيد/ عمر سالم سعيد باجخيف

 

 



(1) مقالة نشرت في مجلة الناشرون العرب، العدد الثالث، إبريل/نيسان (2018 م).