أدخل بريدك الالكتروني هنا

pandora charms uk pandora style dangle charms pandora dangle charms

عمر بن سالم باجخيف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ على نعمِهِ وآلائِهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خيرتِهِ مِنْ خلقِهِ وصفوتِهِ مِنْ أنبيائِهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الَّذينَ رفعوا منارَ الدِّينِ، وحَفِظوا لنا سنَّةَ سيِّدِ المُرسَلينَ، وعلى الأتباعِ قاطبةً في كلِّ قطرٍ وزمانٍ.

وبعدُ:

فإنَّ لغةَ العربِ أشرفُ اللُّغاتِ، فاقَتْ غيرَها فضلاً وحُسْناً، بل هيَ أسماها وأجملُها، وأوسعُها وأكملُها، وكفاها فخراً وتيهاً أنَّها لغةُ القرآنِ الكريمِ، ولغةُ سيِّدِ الأوَّلينَ والآخرينَ، وخاتَمِ الأنبياءِ والمُرسَلينَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، لا يُنكِرُ فضلَها إلَّا مُكابِرٌ، ولا يَعرِفُ قدرَها إلَّا مُنصِفٌ ذوَّاقةٌ.

وحيثُ إنَّ أكثرَ الكتبِ ذاتُ طبيعةٍ جغرافيَّةٍ.. فإنَّهُ لا يُوجَدُ كتابٌ عالميٌّ سوى القرآنِ الكريمِ؛ فهوَ كتابٌ يهتمُّ بهِ كلُّ النَّاسِ في سائرِ أقطارِ الأرضِ.

ومِنَ المعلومِ أنَّ بينَ العربِ ولغتِهِم صلةً متينةً، وعلاقةً راسخةً وطيدةً، امتزجَتْ فيها الأواصرُ، وتداخلَتْ وتعمَّقَتْ؛ حتَّى قالَ في ذلكَ الرَّافعيُّ: (فقامَتْ فيهِم دولةُ الكلامِ، ولكنَّها بقيَتْ بلا مُلْكٍ حتَّى جاءَهُمُ القرآنُ) (1).

واللُّغةُ العربيَّةُ مِن أكثرِ لغاتِ الأرضِ دلالةً معنويَّةً، ودقَّةَ تعبيرٍ، وحسنَ اختيارٍ للألفاظِ، ومراعاةٍ للتَّناسبِ؛ إضافةً إلى غناها الفنِّيِّ المُتمثِّلِ في خطوطِها الكتابيَّةِ المُتنوِّعةِ الجميلةِ.

ومِن هنا نفهَمُ الارتباطَ الوثيقَ بينَ اللُّغةِ العربيَّةِ والخطِّ العربيِّ، وكم كانَتِ الحملاتُ المُمنهَجةُ قديماً وحديثاً لإلغاءِ هذا الارتباطِ؛ فإنَّنا كثيراً ما قرأْنا وسمعْنا في أواخرِ القرنِ التَّاسعَ عشرَ الميلاديِّ عن مطالبةِ بعضِهم بالاستعاضةِ عنِ الحرفِ العربيِّ بالحرفِ اللَّاتينيِّ، وخصوصاً مِنَ المُستشرِقينَ ومَن لفَّ لفَّهُم ممَّن درسوا في مدارسِ الغربِ، ولا يتَّسعُ المجالُ للإطالةِ في ذلكَ، إلَّا أنَّنا نذكرُ هنا ما جرى معَ الشَّاعرِ السِّياسيِّ عبدِ العزيزِ فهمي؛ والَّذي كانَ مِنَ المُتحمِّسينَ وقتَها لاستبدالِ الخطِّ العربيِّ بالخطِّ اللَّاتينيِّ، وألَّفَ في ذلكَ رسالةً في اقتراحِ «الحروفِ اللَّاتينيَّةِ لكتابةِ العربيَّةِ»، وممَّن أنكرَ عليهِ هذا الرَّأيَ الشَّيخُ عبدُ العزيزِ البِشريُّ المعروفُ بنوادرِهِ وفكاهتِهِ، فقالَ لعبدِ العزيزِ فهمي: (ماذا تريدُ بإدخالِ الحروفِ اللَّاتينيَّةِ في الكتابةِ العربيّةِ؟)، فردَّ عليهِ: (أريدُ أن أُعمِّمَها)، فأجابَهُ فوراً: (لا، تريدُ أن تبرنِطَها واللهِ؛ لا أن تُعمِّمَها!!) (2)، والحمدُ للهِ أنَّ هذهِ الحملاتِ لا أثرَ لها الآنَ.

وإذا كانَتِ منظمةُ الأُممِ المُتَّحِدةِ قد جعلَتْ مِن يومِ (18 ديسمبر) مِن كلِّ عامٍ: اليومَ العالميَّ للُّغةِ العربيَّةِ - وفي هذا دلالةٌ كبرى على أهميَّةِ اللُّغةِ العربيَّةِ مِن حيثُ إنَّها إحدى أهمِّ اللُّغاتِ الحيَّةِ على وجهِ البسيطةِ -.. فإنَّ إعلانَ عام (2020 م) عامَ الخطِّ العربيِّ.. هوَ حدثٌ لا يقلُّ أهميَّةً عن ذلكَ لدلالاتِ الارتباطِ الوثيقةِ بينَ اللُّغةِ العربيَّةِ والخطِّ العربيِّ.

فكم كانَ مُوفَّقاً وزيرُ الثَّقافةِ السُّعوديُّ الأميرُ بدرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ فرحانَ عندما أعلنَ أنَّ عامَ (2020 م) هوَ عامُ الخطِّ العربيِّ.

والخطُّ مرآةُ اللُّغاتِ، لا يمكنُ معرفةُ معانيها المكتوبةِ إلَّا بهِ، فهوَ الحافظُ لها والمُعبِّرُ عنها، وقد رُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما في قولِهِ تعالى: {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} (3)، قالَ: (هو: الخطُّ) (4)، ورُويَ عنهُ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ قولُهُ: (الخطُّ الحسنُ: يزيدُ الحقَّ وضوحاً) (5)، وقالَتِ العربُ قديماً: (الخطُّ: أحدُ اللِّسانَينِ)، وقالَتْ أيضاً: (حسنُ الخطِّ: إحدى الفصاحتَينِ) (6).

وغنيٌّ عنِ القولِ أنَّ المدارسَ الأصيلةَ في العالَمَينِ العربيِّ والإسلاميِّ حافظَتْ - وعلى مرِّ العصورِ - على هذا الموروثِ العظيمِ؛ حتَّى وصلَ إلينا مُحاطاً بالحفظِ والعنايةِ مِن خلالِ كُتُبِ التُّراثِ المُتنوِّعةِ؛ منثورِها ومنظومِها.

وَلِنكونَ صادقينَ: فإنَّ هذهِ الكتبَ الأصيلةَ في هذهِ المدارسِ العريقةِ هيَ الَّتي حافظَتْ على اللُّغةِ العربيَّةِ وعلومِها والخطِّ العربيِّ بأنواعِهِ جيلاً بعدَ جيلٍ.

وبحمدِ اللهِ فقد وُفِّقَتْ دارُ المنهاجِ إلى شيءٍ مِن ذلكَ؛ مِن خلالِ ما نشرَتْ مِنْ هذهِ الكتبِ الأصيلةِ.

فمنها على سبيلِ المثالِ: كتابُ: «الوسيلةِ الأدبيَّةِ إلى العلومِ العربيَّةِ» للإمامِ المرصفيِّ في أربعِ مجلَّداتٍ؛ وهوَ كتابٌ جليلٌ مُبارَكٌ حوى اثنَينِ وعشرينَ علماً مِن علومِ اللُّغةِ العربيَّةِ.

وكذلكَ كتابُ: «قصائدَ مُختارةٍ في حبِّ سيِّدِنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ»، الَّذي خطَّتْهُ يراعةُ الأستاذِ الدُّكتورِ المُبدِعِ عثمانَ طه حفظَهُ اللهُ تعالى، والَّذي تسبقُ شهرتُهُ اسمَهُ؛ فهوَ خطَّاطُ المُصحَفِ الشَّريفِ؛ فكتابُهُ هذا جمعَهُ وأعدَّهُ، وخطَّ كلماتِهِ كلَّها بيدِهِ المُبارَكةِ ليكونَ مدرسةً وبستاناً لمُحبِّي الخطِّ العربيِّ.

وقلَّ أن يخلوَ سِفْرٌ مِن أسفارِ دارِ المنهاجِ مِن بصمةٍ عربيَّةٍ أصيلةٍ تصلُ القارئَ بحضارتِهِ وتراثِهِ الإسلاميِّ.

{ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ }

ونسألُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى حسنَ القَبولِ

الفقير إلى عفو الله وكرمه

أبو سعيد/ عمر سالم سعيد باجخيف

(6) جمادى الأولى (1441 هـ)

(1) كانون الثاني (2020 م)

 



(1) تاريخ آداب العرب (2/105).

(2) مفهوم الحوار أن فهمي يريد أن يعمِّمها من العُموم، والبِشري قَلَبَها إلى العِمامة والبرنيطة؛ حيث إن العِمامة لباس العرب والبرنيطة لباس الغرب الأوروبيين، وهذا من سرعة البديهة، وفيه دلالاتٌ جمَّة ومغازٍ عميقة.

(3) سورة الأحقاف: (4).

(4) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/454).

(5) أخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة» (1803)، والثعلبي في «الكشف والبيان» (8/98) عن مهاجر الكلاعي رحمه الله تعالى مرسلاً.

(6) أوردهما الماوردي في «أدب الدين والدنيا» (ص 107).